كِذبة كبرى أم قراءة مشوّهة للتاريخ؟
تحليل مقارن لثورة 1979 وأحداث كانون الثاني/يناير 2026
في الفضاء الإعلامي خلال السنوات الأخيرة، حاولت بعض وسائل الإعلام المعارضة للجمهورية الإسلامية تفسير الأحداث العنيفة التي وقعت في كانون الثاني/يناير 2026 ـ بما في ذلك الاحتجاجات في الشوارع وبعض العمليات الإرهابية ـ على أنها امتداد لثورة عام 1979. وقد طُرح هذا التشبيه بهدف الإيحاء بـ«تكرار التاريخ» أو «النسخة الثانية من الثورة».
لكن عند النظر إلى العناصر الأساسية في كل من الحدثين ـ من حيث الطبيعة والقيادة، مروراً بالأساليب والشرعية، وصولاً إلى كيفية التعامل مع بنية السلطة ـ تتضح الفوارق بشكل جلي. والسؤال الرئيس هو: هل نحن أمام إعادة إنتاج تاريخية، أم أمام كاريكاتور للتاريخ؟
اعتراف وسائل الإعلام الغربية حول ثورة 1979
في عام 1979 كتبت مجلة «تايم» عن قيادة الثورة الإيرانية:
«لم يكن لدى الخميني جيش؛ كان سلاحه الحقيقي شريط الكاسيت، وكانت رسائله تُنشر عبر شبكة من المساجد.»
هذا الوصف، حتى من قبل وسائل الإعلام الغربية، أكّد على الطابع الشعبي وغير المسلح للثورة. فقد كانت أداتها الأساسية التواصل الفكري، وشبكة المساجد الاجتماعية، وتعبئة الرأي العام.
في المقابل، وبشأن أحداث عام 2025، تشير بعض الروايات إلى وجود دعم إعلامي من قنوات فارسية تبث من خارج البلاد، إضافة إلى دعم من بعض دول المنطقة وتغطية واسعة من وسائل الإعلام الغربية. ويُعد هذا الاختلاف في روايات الدعم أحد المحاور الرئيسية التي تُطرح للتمييز بين الحدثين.
منهج المواجهة: وعي أم فوضى؟
ثورة 1979؛ سلاح الوعي
أدوات المواجهة الأساسية خلال الثورة كانت:
• أشرطة خطابات الإمام الخميني
• المنشورات والبيانات
• التجمعات الشعبية الواسعة
• شبكة المساجد بوصفها منصة للتواصل
وكان الأسلوب الغالب يقوم على الإقناع وتعبئة الرأي العام. أما المظاهرات، فرغم اتّساعها، فقد كانت في إطار الحضور الجماعي وطرح المطالب السياسية.
أحداث عام 2026؛ رواية العنف
وفي بعض التقارير حول أحداث 2026 جرى الحديث عن:
• إحراق الممتلكات العامة
• الهجوم على سيارات الإسعاف
• خلق حالة من انعدام الأمن في المدن
• تخريب البُنى التحتية الخدمية
وفي هذه الرواية يُقدَّم الفارق الجوهري على أنه «اختلاف الأداة»: الكلمة في مقابل النار.


احترام القانون أم انتهاكه؟
في عام 1979، وعلى الرغم من المعارضة الواسعة لبنية الحكم آنذاك، تشير الروايات الرسمية إلى أن الممتلكات العامة والنظام الاجتماعي لم يكونا هدفاً لعمليات تخريب منظّمة. فقد كانت الاحتجاجات تتجسّد في مسيرات جماهيرية واسعة، ولم يكن التخريب الواسع للبنى التحتية محوراً للحراك.
في المقابل، نُشرت بشأن بعض أحداث عام 2026 تقارير تتحدث عن تخريب أماكن عامة، وإلحاق الأذى بالمراكز الخدمية، وإحداث أضرار بالبنى التحتية الحضرية. ويُعد هذا الاختلاف في أسلوب التعامل مع الممتلكات العامة أحد المحاور الرئيسية في المقارنة بين الحدثين.
التعامل مع القوات العسكرية: استقطاب أم مواجهة؟
عام 1979
إحدى استراتيجيات الثورة كانت السعي لاستقطاب قوام الجيش والقوات العسكرية. وتشير الروايات التاريخية إلى أن قسماً من العسكريين انضمّوا إلى الشعب، وتمّ تجنّب المواجهة المباشرة قدر الإمكان.
عام 2026
في بعض العمليات جرى الحديث عن هجمات مباشرة على مراكز الشرطة ووقوع اشتباكات ميدانية مع قوات الأمن. وفي هذه المقارنة يُبرز الفارق في «أسلوب التعامل مع القوة المسلحة».
تحديد أهداف التخريب؛ ما الذي كان مستهدفاً؟
أهداف ثورة 1979
• مراكز السلطة التابعة لنظام الشاه
• رموز الهيمنة السياسية
ويُقال في هذا السياق إن الممتلكات العامة للشعب لم تكن هدفاً لعمليات تخريب منظّمة.
أهداف عمليات عام 2026
وبحسب بعض الروايات، شملت الأهداف:
• الأماكن الدينية
• المؤسسات العامة
• البنى التحتية الحضرية
ويُقدَّم هذا الاختلاف في «نطاق الأهداف» بوصفه فارقاً جوهرياً بين الحدثين.


قادة الساحة: فكر أم شهرة؟
في ثورة عام 1979 كان شخصيات مثل الشهيد مطهري، الشهيد بهشتي وغيرهما من المفكرين الدينيين يؤدّون دور المنظّرين والمفسّرين. وقد شكّل الأساس الفكري والإيديولوجي عمود القيادة.
أمّا في أحداث عام 2026، فقد طُرحت بعض الشخصيات الإعلامية والفنانين أو المشاهير بوصفهم داعمين أو مروّجين للاحتجاجات. وفي هذا السرد يتمّ التأكيد على الاختلاف في «القاعدة القيادية».
المكانة في الخريطة العالمية؛ الاستقلال أم التبعية؟
كان يُعرَّفُ انقلاب عام 1979 بشعار «لا شرقية ولا غربية»، وهو شعارٌ يجعل الاستقلال السياسي محوراً أساسياً.
وفي المقابل، تطرّقت بعض التحليلات المتعلقة بعام 2025 إلى وجود دعمٍ إعلامي أو سياسي من بعض الحكومات الأجنبية. ويُفسَّر هذا الأمر في الرواية الرسمية على أنه علامةٌ على التبعية.
منطق التعامل مع المعارض
في عام 1979، كانت الروايةُ الرسميةُ تُؤكّد على الحوار والاستدلال والشرح الأيديولوجي.
وفي المقابل، تُذكر في بعض الروايات المتعلقة بأحداث عام 2025 سماتٌ بارزة مثل الأجواء الانفعالية، والاشتباكات في الشوارع، وعمليات التخريب.
الخلاصةُ المقارنة
عند وضع العناصر الأساسية لكلا الحدثين جنباً إلى جنب، تبرز الفروقات التالية:
- القيادة: رجال الدين والمفكّرون الدينيون مقابل الشخصيات الإعلامية
- الهدف المعلَن: الاستقلال السياسي مقابل إسقاط النظام (وفق هذه الرواية)
- الأسلوب: التوعية والحضور الشعبي مقابل العنف والتخريب
- قاعدة الدعم: قاعدة شعبية واسعة مقابل دعمٍ إعلامي خارجي (بحسب بعض التحليلات)
- الممتلكات العامة: حمايةٌ نسبية مقابل التخريب في بعض الوقائع
تكرار التاريخ أم كاريكاتور التاريخ؟
وفق هذا الإطار التحليلي، يُدّعى أن أحداث كانون الأول/ديسمبر 2025 لا تحمل شبهاً جوهرياً مع ثورة عام 1979. فبحسب هذه الرواية، تُعرَّف ثورةُ 1979 على أساس الاستقلال والقيادة الأيديولوجية والتعبئة الشعبية، بينما تُوصَف أحداثُ عام 2025 بأنها قائمةٌ على العنف وعدم الاستقرار والتبعية.
أين يقف الشعب في هذه الرواية؟
في ثورة عام 1979، يُقدَّم الشعب بوصفه المحرّك الأساسي للأحداث.
أمّا في بعض التحليلات المتعلقة بعام 2025، فيُصوَّر الشعب إمّا كضحيةٍ لأعمال العنف، أو كأداةٍ بيد التيارات الراديكالية. وربما يكون هذا الاختلاف في دور الشعب من أعمق الفوارق بين الروايتين.
وفي النهاية يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل يمكن تشبيه كلّ احتجاج أو حدثٍ سياسي بثورةٍ تاريخية؟ أم أن المقارنات السطحية تُسهم في تشويه الفهم التاريخي أكثر مما تُسهم في توضيحه؟
يمكنك تنزيل ملف PDF الخاص بهذه المقالة


