تشريحُ ادّعاءٍ ما
دراسةُ روايةِ «الخطة الشاملة لتفكيك إيران» من «الشرق الأوسط الجديد» إلى التصاميم الاستراتيجية الغربية
تحاولُ هذه الروايةُ التحليلية جمعَ مجموعةٍ من تصريحاتِ الساسةِ الغربيين، ووثائقِ مراكزِ الأبحاث، والتدخّلاتِ العسكرية، والتجاربِ الإقليمية ضمن صورةٍ كليّة واحدة؛ صورةٍ تدّعي وجودَ مخطّطٍ طويلِ المدى يهدف إلى إضعافِ إيران، وتطويقِها، وفي النهاية تفكيكِها.
ويقومُ هذا الإطار بربطِ أقوالِ مسؤولين سابقين بوثائقِ السياسات في تسعينيات القرن الماضي، مدّعياً استمرارَ نهجٍ بنيويّ يمتدّ من العراق إلى إيران. ومع ذلك يبقى موضعَ نقاشٍ ما إذا كنّا أمام خطةٍ متماسكة حقّاً أم أمام قراءةٍ لاحقةٍ لأحداثٍ متفرّقة.
ادّعاء «سبع دول في خمس سنوات»
يُعدّ أحدُ أهمّ المراجع في هذه الرواية ما نُسب إلى الجنرال ويسلي كلارك، القائدِ السابق لحلف الناتو. إذ ذكر أنّه اطّلع في البنتاغون على وثيقةٍ تتحدث عن برنامجٍ لـ«التعامل مع سبع دول خلال خمس سنوات»، تبدأ بالعراق وتنتهي بإيران.
والدولُ المذكورة في هذا الادّعاء هي:
- العراق
- سوريا
- لبنان
- ليبيا
- الصومال
- السودان
- إيران
وفي هذا الإطار التحليلي، يُنظر إلى العراق وليبيا على أنهما مراحلُ أُنجزت، فيما تُطرح إيران بوصفها الهدفَ الأخير المتبقّي.
ويرى مؤيّدو هذا الطرح أن هذا التسلسل يدلّ على وجود مخطّطٍ متماسك، بينما يعتبره المنتقدون سلسلةَ قراراتٍ ظرفية وردودَ فعلٍ متفرّقة.
«اليومُ التالي لبغداد»؛ تحوّلُ التركيزِ إلى إيران
وردَ في بعضِ الاقتباسات عن أرييل شارون أنّه بعد سقوطِ بغداد، يجبُ أن ينتقلَ الضغطُ فوراً باتجاهِ إيران.
وفي هذه الرواية، لا يُعدّ الهجومُ على العراق نهايةً لأزمةٍ ما، بل بدايةً لمرحلةٍ جديدة من الضغط الإقليمي. ويُقدَّم التركيزُ على الملف النووي الإيراني، في هذا الإطار، بوصفه جزءاً من استراتيجيةٍ أوسع للتحجيمِ والتطويق.
ومع ذلك، يرى محلّلون آخرون أن هذا التحوّلَ في التركيزِ ناتجٌ عن مخاوفَ نوويةٍ وأمنية، وليس بالضرورة جزءاً من مخطّطٍ للتفكيك.
مفهوم «الشرق الأوسط الجديد» والفدرالية القومية
يُعدّ أحدُ ركائز هذه الرواية مفهومَ «الشرق الأوسط الجديد»؛ وهو طرحٌ طُرح في بعض الأوساطِ الغربية لصنعِ إعادةِ ترتيبٍ لحدودِ المنطقة.
وفي هذا الإطار، يُدّعى أنّ تقسيمَ الدول إلى وحداتٍ أصغر قوميّاً أو مذهبيّاً قد يوفّر استقراراً إقليمياً عبر زيادةِ القدرةِ على التحكّم. أمّا بشأن إيران، فيُشار ضمن هذا التحليل إلى سيناريو تحويلِ المناطق الحدودية إلى وحداتٍ شبهِ مستقلّة.
ويرى مؤيّدو هذه الفرضية أنها مخطّطٌ لإضعافِ البنيةِ الوطنية، فيما يؤكدُ كثيرٌ من الباحثين أنّ مثل هذه التصوّرات بقيت في الغالب ضمن المستوى النظري، ولا توجد دلائلُ تنفيذيةٌ حاسمة على تطبيقها ضدّ إيران.


العودةُ إلى الماضي؛ اتفاقيةُ 1907 والنظرةُ الاستعمارية
لتعزيزِ هذا الادّعاء، يُشار إلى السابقةِ التاريخية المتمثّلة في اتفاقيةِ عام 1907 بين روسيا وبريطانيا، وهي الاتفاقية التي قسّمت إيران إلى منطقتي نفوذٍ شماليةٍ وجنوبية.
وفي هذه الرواية، يُستحضَر هذا الحدثُ بوصفه مثالاً على نظرةِ القوى الكبرى إلى إيران باعتبارها «قطعةَ شطرنج». ويُستنتَج أنّ نمطَ الضغطِ الراهن يُمثّل انعكاساً حديثاً لتلك الذهنية الجيوسياسية.
غير أنّه ينبغي التنبيه إلى أنّ ظروفَ النظام الدولي في القرن العشرين تختلف اختلافاً جوهرياً عن الواقع الحالي، وأنّ المقارنةَ المباشرة تتطلّب حذراً تحليلياً.
الحربُ الهجينة؛ الوكلاءُ وعدمُ الاستقرارِ الحدودي
يتناول جزءٌ آخر من هذا الإطار مفهومَ «الحرب الهجينة»، حيث تُستبدل الأدواتُ غيرُ المباشرة بالتدخّل العسكري المباشر.
وتُطرَح في هذا السياق مجموعةٌ من الادعاءات، منها:
- • تدريبُ أو دعمُ جماعاتٍ معارضة في المناطق الحدودية
- • تنشيطُ جماعاتٍ مسلّحة أو انفصالية
- • دورُ بعض الشخصيات السياسية في الخارج في تعزيزِ رواياتٍ معيّنة
غير أنّ هذه الادعاءات، رغم تداولها في بعض المصادر، ما زال إثباتُها المنهجي والرسمي موضعَ جدلٍ ونقاش.
المجالُ السيبراني والعملياتُ النفسية
يُقدَّم الفضاءُ الرقمي بوصفه أحدَ أهمّ ميادين الصراع. ومن الأمثلة التي يُشار إليها كثيراً ما جرى عام 2009، حين قيل إنّ وزارةَ الخارجية الأمريكية طلبت من شركة تويتر تأجيلَ موعد الصيانة التقنية حتى لا ينقطع تدفّقُ المعلومات داخل إيران.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى الفضاء السيبراني بوصفه:
- • ميداناً للعمليات النفسية
- • منصّةً لتشكيل الرأي العام
- • أداةً لتوسيع نطاق الاحتجاجات المحدودة
في المقابل، يفسّر بعضُ المحلّلين هذا الإجراء في إطار دعم حرية الاتصالات، لا بوصفه تدخّلاً منظّماً.
الجذورُ النظرية؛ «A Clean Break» وPNAC
تشير هذه الرواية إلى وثيقة «A Clean Break» الصادرة عام 1996، وكذلك إلى مشروع «القرن الأمريكي الجديد» (PNAC)، وهما وثيقتان ركّزتا على إعادة تعريف دور الولايات المتحدة في المنطقة.
وفي التفسير المطروح، تُقدَّم هذه الوثائق بوصفها مخططاتٍ أولية لإعادة تصميم الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.
غير أنّه ينبغي الانتباه إلى أنّ وثائق مراكز الأبحاث لا تعني بالضرورة سياساتٍ تنفيذية للدول، إذ غالباً ما توجد مسافةٌ بين المقترحات النظرية والإجراءات العملية.
نموذجُ سوريا؛ من الاحتجاج إلى الانهيار
يُقدَّم الصراعُ الداخلي في سوريا ضمن هذا الإطار بوصفه مثالاً على تحوّلِ الاحتجاجات الأولى إلى صراعٍ مسلّح، ثمّ إلى انهيارٍ في البنية الوطنية.
وتتضمّن العملية الموصوفة ما يلي:
- • احتجاجاتٌ طلابية
- • تصاعدُ مستوى العنف
- • ظهورُ جماعاتٍ متطرّفة مثل داعش
- • نشوءُ مناطقَ غير مستقرة
ويُطرَح هذا النموذج باعتباره «قالباً» محتملاً يمكن أن يتكرّر في دولٍ أخرى، رغم أنّ كثيراً من المحلّلين يرون جذورَ الأزمة السورية أكثر تعقيداً وتشعّباً من هذا التصوير المبسّط.


سؤالُ السبعةِ تريليونات دولار
توجد تقديرات تشير إلى أنّ تكلفة التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عام 2001 حتى اليوم بلغت نحو 7 تريليونات دولار.
وفي إطار هذه الرواية، يُطرَح التساؤل عمّا إذا كانت هذه الكلفة الهائلة مجرّد نتيجةٍ للاستجابة لتهديدات أمنية، أم أنّها جزءٌ من مخطّطٍ أوسع لإعادة ترتيب المنطقة.
في المقابل، يشير المنتقدون إلى أنّ هذه النفقات الضخمة قد تكون دليلاً على عدم الكفاءة ونتيجةً لآثارٍ غير مقصودة لسياسات التدخّل، وليس بالضرورة مؤشراً على تنفيذٍ ناجحٍ لخطةٍ مُصمَّمةٍ مسبقاً.
نظريةُ الحصار بزاوية 360 درجة
في الختام، تُرسَم صورةٌ لحصارٍ متعدّدِ الطبقات يتكوّن من:
- • ضغوطٍ جيوسياسية من الشمال
- • وجودٍ عسكري وأزماتٍ إقليمية من الغرب والشرق
- • ضغطٍ اقتصادي عبر العقوبات
- • عملياتٍ نفسية وإعلامية
وفي هذا التصوير، تُوضَع إيران في مركزِ حصارٍ مركَّبٍ وشامل.
الخلاصة: مخطّطٌ متماسك أم روايةٌ استراتيجية؟
يجمع هذا الملفّ مجموعةً من الوثائق والاقتباسات والأحداث الإقليمية ضمن إطار روايةٍ واحدة.
ويرى المؤيّدون أنّ ذلك يشير إلى وجود مخطّطٍ طويل الأمد للتقسيم والسيطرة.
في المقابل، يعتقد المنتقدون أنّ هذه الرواية تعيد تركيب سياساتٍ متنوّعة، وأحياناً متناقضة، ضمن إطار نظرية مؤامرة متماسكة.
وما هو مؤكّد أنّ الشرق الأوسط بعد عام 2003 شهد تحوّلاتٍ عميقة. غير أنّ مسألة ما إذا كانت هذه التحوّلات نتيجةَ تخطيطٍ مركزي، أم حصيلةَ تداخلاتٍ معقّدة من التدخّلات والتنافسات الجيوسياسية، ما تزال موضعَ نقاشٍ جادّ في الأوساط التحليلية.
يمكنك تنزيل ملف PDF الخاص بهذه المقالة

