التقريرُ الذی أصدرَهُ معهدُ RUSI المرموق (المعهد الملکی للخدمات الدفاعیّة المتّحدة) حول الأیّامِ الستّةَ عَشَرَ الأولى من الحرب، یُقَدِّمُ تفاصیلَ تُتیحُ فهماً أدقّ لکیفیّة تنفیذِ الهجمات وتوزیعِ الأدوات العسکریّة فی هذا النزاع. وتُظهِرُ هذه البیانات أن الصورةَ الحقیقیّةَ لساحةِ القتال تختلفُ فی بعضِ الأحیان عمّا یتَصوَّرهُ الرأیُ العام.
إحدى النقاطِ اللافتةِ فی هذا التقریر هی نسبةُ الصواریخِ القصیرةِ المدى أرض–أرض فی الهجمات. ووفقاً لهذه البیانات، فإن 18% من الذخیرةِ الهجومیّة المستخدمة ضدّ إیران کان من هذا النوع من الصواریخ؛ أسلحةٌ مثل HIMARS وATACMS وPrSM التی تُطلَق من منصّاتٍ أرضیّة، ویُمکنُ لمدیاتها أن تُمكّنها من الوصول إلى أهدافٍ داخل البلاد انطلاقاً من مناطقَ قریبةٍ من الحدود الإیرانیّة.
من منظور الجغرافیا العسکریّة، فإن مثل هذه الأنظمة إذا تمّ نشرُها فی منطقة الخلیج الفارسی، فیمکنها الإطلاق من دولٍ مثل الکویت والإمارات والبحرین وقطر نحو أهداف داخل إیران. ولذلک، عند فحص هذه الإحصاءات على مقیاس العملیة بأکملها، تظهر نتیجة لافتة: نحو خُمسِ الهجماتِ المنفَّذة ضدّ إیران جرى من نطاق هذه المشیخات فی الخلیج. وتبرز أهمیّة هذه النقطة لأن کثیراً من هذه الدول قد أعلنت فی مواقفها الرسمیّة عدم مشارکتها فی الهجمات على إیران. ویمکن فصلُ هذا الأمر عن قضایا أخرى مثل توفیر القواعد الجویّة أو المطارات أو البُنى اللوجستیّة، التی قد تؤدّی دوراً داعماً فی العملیات العسکریّة دون أن تُعتَبر مشاركة مباشرة.
المقاتلاتُ هی العمودُ الرئیسی للهجمات؛ روایةُ الأرقام عن تغییر نمط القتال
أمّا الجزءُ الأهمّ فی التقریر فیتعلّق بنوع الهجمات الرئیسی. فخلافاً للتصوّر الشائع الذی یفترض أنّ محور العملیات اعتمد على الصواریخ الثقیلة أو الضربات الاستراتیجیة بعیدة المدى، تُظهرُ الإحصاءات أن نحو 60% من الهجمات نُفِّذت بواسطة المقاتلات وباستخدام الصواریخ والذخیرة جو–أرض. هذه الأسلحة تُطلَق عادةً من مسافاتٍ بعیدة نسبیّاً، ما یُتیح للطائرة استهدافَ أهدافها من دون دخولها نطاقَ خطر الدفاعات الجویّة للخصم. وفی الواقع، کان العمودُ الفقری للعملیات الهجومیّة فی هذه المرحلة من الحرب هو المقاتلاتُ القتالیّة المجهّزة بذخیرة دقیقة بعیدة المدى (Stand-off).


تفَوُّقُ العبءِ الدفاعی فی ساحة القتال؛ نسبةُ الهجوم إلى الدفاع 1 إلى 2
إلى جانب ذلک، یطرحُ تقریرُ RUSI نقطةً مهمّة بشأن نسبة العملیات الهجومیّة إلى الدفاعیّة. فبحسب هذه البیانات، کانت النسبة تقارب 1 إلى 2. وتُظهر هذه النسبة أن جزءاً کبیراً من الموارد والطاقة خلال هذا النزاع قد خُصِّص لعملیات الدفاع والتصدّی للتهدیدات. وبعبارة أخرى، کانت الکلفة والضغط العملیاتی على الجانب الدفاعی مرتفعَین جدّاً، حیث خُصِّص قسمٌ کبیر من قدرة الطرف المقابل لعملیات الاعتراض وصدّ الهجمات.
الحصّةُ الضئیلة للقاذفات الاستراتیجیّة فی ساحة القتال
یشیر جزءٌ آخر من هذا التقریر إلى دور القاذفات بعیدة المدى. فخلافاً للتصوّر القائل بوجود حضور واسع لطائرات استراتیجیّة مثل B‑52، تُبیّن الإحصاءات أنّ نحو 1% فقط من الذخیرة قد استُخدم بواسطة هذه القاذفات. ویُظهر ذلک أن دور هذه الطائرات الثقیلة فی هذه المرحلة من النزاع کان محدوداً جدّاً، وأن العبءَ العملیاتی الرئیسی وقع على عاتق منصّات أخرى.
فی البُعدِ البحری، تکشفُ بیاناتُ التقریر عن نقطةٍ مهمّة. فوفقاً لهذه المعلومات، نُفِّذ نحو ثُلثِ هجماتِ صواریخِ الکروز عبر الغوّاصات والسفن. ویُعدّ استخدامُ المنصّات البحریّة لإطلاق صواریخ الکروز إحدى الطرائق الشائعة فی العملیات الحدیثة، إذ تتمیّز هذه المنصّات بقدرةٍ عالیة على المناورة ومستوى مرتفع من التخفی، ما یُتیح لها الاقترابَ من منطقة العملیات دون إثارة الانتباه، ثم ضربَ أهدافها من تلک المسافات.
ومع ذلک، ربّما تکون أهمّ نقطةٍ استراتیجیّة یطرحها التقریر هی ما یتعلّق بوضع المخزونات الدفاعیّة الإسرائیلیّة. فبحسب التقییم الوارد، جرى استهلاکُ حوالی 80% من مخزونات الدفاع الجوی الإسرائیلی أثناء هذه المواجهات. ویُعدّ هذا الرقمُ لافتاً من منظورٍ عسکری، إذ یُظهر حجمَ التهدیدات والضربات الواردة فی فترة زمنیّة قصیرة، ومدى الضغط الذی تعرّضت له الأنظمةُ الدفاعیّة نتیجة ذلک.


بشکلٍ عام، تُقدّم البیاناتُ التی نشرها معهدُ RUSI صورةً أدقّ عن البنیة العملیّة الحقیقیّة لهذا النزاع: من دور الصواریخ أرض–أرض فی منطقة الخلیج الفارسی، مروراً بكون المقاتلات محورَ الهجمات، واستخدامٍ ملحوظ لصواریخ الکروز البحریّة، وصولاً إلى الضغط الثقیل الواقع على الأنظمة الدفاعیّة. وتُسهم هذه المجموعة من المعلومات فی إظهار الأبعاد العملیّة للقتال بمستوى أعلى من التفصیل، وتوفیر صورةٍ أکثر تکاملاً عن کیفیّة تنفیذ الهجمات خلال هذه المرحلة.


